23 أكتوبر 2026 | 12 جمادى الأولى 1448
A+ A- A
خطبة الجمعة المذاعة والموزعة بتاريخ12 من جمادى الأولى 1448هـ الموافق 23/10/2026

خطبة الجمعة المذاعة والموزعة بتاريخ12 من جمادى الأولى 1448هـ الموافق 23/10/2026

23 أكتوبر 2026

الْوَقْتُ وَالتِّقْنِيَّةُ الْحَدِيثَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَجَعَلَ أُمَّتَنَا أُمَّةً وَسَطًا، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

 مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ الْوَقْتَ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ وِعَاءُ الْأَعْمَالِ، وَلَمَّا كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَرْتَبَةِ الْعَالِيَةِ؛ أَقْسَمَ اللَّهُ بِأَجْزَائِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر: 1، 2]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]، فَالْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ شَرَفَ زَمَانِهِ، وَسُرْعَةَ انْقِضَاءِ أَيَّامِهِ، فَدَفَعَهُ ذَلِكَ إِلَى اسْتِغْلَالِ وَقْتِهِ بِأَحْسَنِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟»[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ]، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا يُنَادِي مُنَادٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فَتَزَوَّدْ مِنِّي، فَإِنِّي إِذَا مَضَيْتُ لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

وَكَانَ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ:

وَالْوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عَنِيتَ بِحِفْظِهِ     وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيعُ!

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَعْرِفُ قِيمَةَ وَقْتِهَا أُمَّةٌ تَعْرِفُ طَرِيقَ نَهْضَتِهَا، فَمَا ارْتَفَعَتْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا حِينَ أَدْرَكَتْ شَرَفَ زَمَانِهَا، وَرَأْسَ مَالِهَا؛ بِفِعْلِ مَا يَصْلُحُ لَهَا فِي دِينِهَا وَدُنْيَاهَا. وَلَا تَأَخَّرَتْ أُمَّةٌ إِلَّا حِينَ أَهْدَرَتْ طَاقَاتِهَا، وَأَهْمَلَتْ مَوَاهِبَهَا فِي اللَّهْوِ وَالْبِطَالَةِ وَالْفَرَاغِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِضَاعَةُ الْوَقْتِ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ إِضَاعَةَ الْوَقْتِ تَقْطَعُكَ عَنِ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْمَوْتُ يَقْطَعُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ لِضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ آثَارًا وَخِيمَةً، وَعَوَاقِبَ جَسِيمَةً، فَمِنْ ذَلِكَ: الْحِرْمَانُ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْبَرَكَةِ، فَالْوَقْتُ إِذَا ضَاعَ فِي اللَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، ضَاعَتْ مَعَهُ أَبْوَابُ الْخَيْرَاتِ، وَمَتَى أَلِفَ الْقَلْبُ الْبِطَالَةَ؛ اسْتَثْقَلَ الْعِبَادَةَ وَالطَّاعَةَ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف: 28]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَمِنْ تِلْكَ الْآثَارِ: الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ، فَكُلُّ سَاعَةٍ مَضَتْ بِغَيْرِ طَاعَةٍ أَوْ نَفْعٍ؛ سَتَكُونُ مَوْضِعَ حَسْرَةٍ وَنَدَمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56]، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ، نَقَصَ فِيهِ أَجَلِي، وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ عَمَلِي). وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا كَانُوا عَلَى أَوْقَاتِهِمْ أَشَدَّ مِنْكُمْ عَلَى دَرَاهِمِكُمْ وَدَنَانِيرِكُمْ.(

وَمِنْ آثَارِ إِهْدَارِ الْأَوْقَاتِ: ضَيَاعُ الْمَوَاهِبِ وَالطَّاقَاتِ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ مُؤَهَّلًا لِأَنْ يَكُونَ عُنْصُرًا فَاعِلًا فِي مُجْتَمَعِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَيَّامَ تَسَرَّبَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَاسْتَبَدَّ بِهِ التَّسْوِيفُ، وَأَجْهَضَهُ الْفَرَاغُ، حَتَّى خَمَدَتْ هِمَّتُهُ وَذَبُلَتْ مَوَاهِبُهُ؛ قَالَ تَعَالَى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7]، أَيْ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَاعَةٍ وَعَمَلٍ، فَانْصَبْ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى أَحَدَكُمْ سَبَهْلَلًا؛ لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا فِي عَمَلِ آخِرَةٍ).

أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ: إِنَّ شُعُورَ الْإِنْسَانِ بِالْفَرَاغِ شُعُورٌ مُؤْلِمٌ؛ تَرَاهُ يَمْضِي مَعَ الْأَيَّامِ كَمَا تَمْضِي الْأَوْرَاقُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، لَا رِسَالَةَ يَحْمِلُهَا، وَلَا غَايَةَ يَسْعَى إِلَيْهَا، فَيَغْدُو عُمْرُهُ صَفَحَاتٍ تُطْوَى دُونَ أَثَرٍ، فَالسَّعِيدُ مَنْ عَرَفَ لِمَاذَا يَعِيشُ، وَلِأَيِّ شَيْءٍ يَسْعَى، فَجَعَلَ أَيَّامَهُ مَعْمُورَةً بِمَا يَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»، [رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- فِي ذُرِّيَّاتِكُمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ لِحَالِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ لَيَعْجَبُ مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى أَوْقَاتِهِمْ، وَاسْتِغْلَالِهِمْ لِأَعْمَارِهِمْ، فَكَانَتْ سَاعَاتُهُمْ مَعْمُورَةً بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَالذِّكْرِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ شَرَفَ زَمَانِهِ، وَقَدْرَ وَقْتِهِ، فَلَا يُضَيِّعَ مِنْهُ لَحْظَةً فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ، وَيُقَدِّمَ الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَلْتَكُنْ نِيَّتُهُ فِي الْخَيْرِ قَائِمَةً، مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْبَدَنُ مِنَ الْعَمَلِ). وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنَّي لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أُضَيِّعَ سَاعَةً مِنْ عُمْرِي، حَتَّى إِذَا كَلَّ لِسَانِي عَنْ مُنَاظَرَةٍ، وَبَصَرِي عَنْ مُطَالَعَةٍ؛ أَعْمَلْتُ فِكْرِي فِي حَالِ رَاحَتِي وَأَنَا مُسْتَطَرِحٌ، فَلَا أَقُومُ إِلَّا وَقَدْ خَطَرَ لِي مَا أُسَطِّرُهُ). فَبَرَكَةُ الْأَعْمَارِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِطُولِهَا، وَإِنَّمَا بِحُسْنِ عِمَارَتِهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَامْتِلَائِهَا بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ وَسَائِلَ اسْتِغْلَالِ الْفَرَاغِ كَثِيرَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ: حِفْظُ الْقُرْآنِ وَمُرَاجَعَتُهُ، فَأَعْظَمُ مَا تُقْضَى بِهِ الْأَوْقَاتُ: كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَمِنْ تِلْكَ الْوَسَائِلِ: نَفْعُ النَّاسِ وَخِدْمَتُهُمْ، فَلْيَكُنْ لِلْمُسْلِمِ نَصِيبٌ مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا الْأَقْرَبِينَ، كَالْوَالِدَيْنِ وَالْأَرْحَامِ وَالْجِيرَانِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

وَمِنْ تِلْكَ الْوَسَائِلِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى اسْتِغْلَالِ الْفَرَاغِ: صُحْبَةُ أَهْلِ الْهِمَّةِ وَالْفَضْلِ، فَالرُّفْقَةُ الصَّالِحَةُ تَرْفَعُ الْهِمَمَ، وَتَبْعَثُ الْعَزَائِمَ، وَتُعِينُ صَاحِبَهَا عَلَى اغْتِنَامِ نَفَائِسِ أَنْفَاسِهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنَ الْوَسَائِلِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نُحْسِنَ اسْتِثْمَارَهَا فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا: التِّقْنِيَّةُ الْحَدِيثَةُ؛ فَقَدْ دَخَلَتِ التِّقْنِيَّةُ فِي كُلِّ بَيْتٍ، وَصَارَتْ فِي مُتَنَاوَلِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْقِفُنَا مِنْهَا مُجَرَّدَ الْمَنْعِ وَالتَّحْذِيرِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ نُحْسِنَ تَوْجِيهَهَا، وَأَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا كَيْفَ يَنْتَفِعُونَ بِهَا فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَقَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً لِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَتَعَلُّمِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَحْصِيلِ الْمَعَارِفِ، وَتَنْمِيَةِ الْمَهَارَاتِ؛ فَقَدْ ذَلَّلَتْ هَذِهِ الْوَسَائِلُ كَثِيرًا مِنَ الصُّعُوبَاتِ، وَقَرَّبَتِ الْبَعِيدَ، وَيَسَّرَتِ الْوُصُولَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَأَكْسَبَتِ الْإِنْسَانَ مِنَ الْمَهَارَاتِ فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ مَا كَانَ يَحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِهِ إِلَى زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَلَكِنْ مِنَ الْخَطَإِ أَنْ نَجْعَلَ هَذِهِ الْأَجْهِزَةَ مُرَبِّيَةً لِأَوْلَادِنَا، لِنَطْلُبَ لِأَنْفُسِنَا رَاحَةَ الْبَالِ؛ فَإِنَّ مِنْ تَضْيِيعِ الرَّعِيَّةِ أَنْ نَتْرُكَ أَوْلَادَنَا أَمَامَ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ، يَتَلَقَّوْنَ مِنْهَا مَا شَاؤُوا، وَيُشَاهِدُونَ مَا شَاؤُوا، ثُمَّ نَظُنَّ أَنَّنَا أَدَّيْنَا مَا عَلَيْنَا، فَالتِّقْنِيَّةُ إِنْ لَمْ نُحْسِنْ تَوْجِيهَهَا تَوَلَّتْ هِيَ تَوْجِيهَ أَوْلَادِنَا مِنْ حَيْثُ لَا نَشْعُرُ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَنْوَر، وَالْجَبِينِ الأَزْهَرِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرَرِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِمْ إلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا ذُرِّيَّاتِنَا، وَاحْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ احْفَظِ الْكُوَيْتَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَتَنَا مِنَ الْمُرَابِطِينَ وَقُوَى الْأَمْنِ وَالدِّفَاعِ وَالْحَرَسِ الْوَطَنِيِّ وَالإِطْفَاءِ وَجَمِيعَ الْقَائِمِينَ عَلَى أَمْنِ الْبِلَادِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة

معرض الصور

القائمة البريدية

انضم للقائمة البريدية للموقع ليصلك كل جديد

جميع الحقوق محفوظه لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت